يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
95
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
اعلم أنك إذا قلت : أكل اللحم على الخوان ، وضرب زيد بالسوط ، فموضع الخوان والسوط : النصب ؛ وذلك أنك أقمت الأسماء مقام الفاعل ، فصارت المجرورات في موضع نصب وحلت محل قولك : مر زيد بعمرو . فلما تقدمت الأسماء واتصلت الحروف بضمائرها وجب أن تنصبها ؛ لأن ضمائرها في موضع نصب ، فصار بمنزلة قولك : أزيدا مررت به ؟ . قال : " وإنما تعتبره بقولك : السوط ضربت ؟ والخوان أكلت ؟ ، فلو كان هذا كلاما لم يكن إلا نصبا " . يريد أن الذي يدلك على أن موضع هذه الحروف نصب ، أنه لو تعدى هذا الفعل بغير حرف جر ، ثم جئت باسم تقيمه مقام الفاعل لم يكن الاسم إلا حالا نصبا . كقولك : ضرب زيد السوط ، وأكل اللحم الخوان ، فهذا لو تكلم به لم يكن إلا نصبا ؛ لأنه لا يرتفع اسمان بفعل واحد . قال : " وتقول : أأنت عبد اللّه ضربته ؟ تجريه ههنا مجرى : أنا زيد ضربته " . اعلم أن سيبويه من مذهبه إذا حال بين ألف الاستفهام وبين الاسم الذي وقع الفعل على ضميره باسم آخر ، ولم يكن من سببه ، جعل الاسم الحائل بينهما مخرجا للاسم الذي بعده عن حكم الاستفهام في اختيار النصب . فإذا قال : أنت عبد اللّه ضربته فقد صار عبد اللّه عنده بعد أنت ، كأنه مبتدأ ليس قبله حرف الاستفهام ، كقولك : عبد اللّه ضربته . فإن قال قائل : ولم لا ترفع " أنت " بفعل مضمر ؛ لأن له في الفعل ضميرا مرفوعا ، وهو التاء في ضربت . وقد قال سيبويه في فصل قبل هذا ، ويكون المضمر ما يرفع كما أضمرت في الأول ما ينصب بعد قوله : أعبد اللّه ضرب أخوه زيدا ؟ فترفع عبد اللّه بإضمار فعل ، كما تنصبه إذا قلت : أعبد اللّه ضرب أخاه زيد ؟ قيل له : بينهما فرق ، وذلك أنك إذا قلت : أعبد اللّه ضرب أخوه زيدا ؟ فقد ولى عبد اللّه حرف الاستفهام ، والفعل الذي يعمل في سببه الرفع متصل به لا فاصل بينهما . وإذا قلت : أأنت عبد اللّه ضربته ؟ فبين " أنت " وبين الفعل الذي في ضميره " عبد اللّه " ويصح أن يكون مبتدأ فاصلا بين أنت وبين فعله ، فلم تكن بنا حاجة إلى إضمار فعل لأن فعله لم يله . قال : " فإن قلت : أكل يوم زيدا تضربه ؟ فهو نصب كقولك : أزيدا تضربه كل يوم " . اعلم أنك إذا قلت : أكل يوم زيدا تضربه ؟ فلا بد من نصب الظرف ؛ لأنه لا عائد عليه ، وإذا نصبناه ، فلا بد من نصبه - بالفعل الظاهر أو المضمر الذي ينصب زيدا - بالفعل الذي ينصب به الظرف ، فهذا فرق ما بين " الظرف " و " أنت " إذا قلت : عبد اللّه ضربته .